مجتمع الإنساني في القرآن الكريم

پدیدآورمحمد باقر الحکیم

تاریخ انتشار1388/10/05

منبع مقاله

share 43 بازدید
مجتمع الإنساني في القرآن الكريم

محمد باقر الحكيم

الإنسان والمجتمع الإنساني هدف أساسي في القرآن الكريم لما حظي به الكائن البشري من كرامة عند الله، ومكانة في الكون، وقدرة على الخلافة. وسور القرآن الكريم تتناول جوانب شتى مما يرتبط بالإنسان والمجموعة البشرية في إطار عقائدي تارة واجتماعي وتاريخي وأخلاقي تارة أخرى.
والأستاذ الباحث تناول في الحلقات السابقة مباحث تمهيدية ودخل في موضوع الاستخلاف وفصل القول في نظرية خلافة الإنسان على ظهر الأرض ثم عرج على مصطلح المجتمع وتحدث عن عناصر المجتمع الإنساني في نظرية الشهيد الصدر. ثم بدأ بالحديث عن الثورة والتغيير بالشريعة وقاعدة التغيير في المجتمعات الإنسانية.

البداية من المحتوى الداخلي

بعد أن عرفنا ـ فيما سبق ـ أن الأساس والقاعدة في حركة التاريخ الإنساني هو المحتوى الداخلي للإنسان الذي يتركب من عنصرين وركنيين هما: (الفكر) والصورة الذهنية التي يرسمها للمستقبل الذي يسعى لتحقيقه، و(الإرادة) التي يملكها الإنسان والتي من خلالها يقوم بنشاطه وسلوكه وحركته باتجاه هذا المستقبل، ومن هنا كان الارتباط بين الداخل والخارج في النتائج والآثار.
نتساءل ـ الآن ـ عن ما هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى، وما هو المحور الذي يستقطب عملية بنائه؟

ونجد أمامنا في تفسير ذلك اتجاهان:

أحدهما: الاتجاه المادي الذي يحاول أن يفسر المحتوى الداخلي بالعوامل المادية في داخل الإنسان أو المحيطة به، فهو كائن مادي ينفعل بالعوامل المادية التي يتكون منها وجوده أو التي تحيط به ويتفاعل معها ويؤثر فيها، ومن مصاديق هذا الاتجاه، ما نطلق عليه نظرية العامل الواحد التي هي من النظريات المعروفة في تفسير التاريخ والمجتمع.
والآخر: هو الاتجاه الروحي الذي تبناه القرآن الكريم، الذي يرى بإن الإنسان يمثل المحور الرئيس في هذه الحياة، ومن ثم فهو العنصر المؤثر والفاعل، وإنه كائن مركب من روح ومادة، وإن الجانب الروحي هو الجانب الأهم في الإنسان والذي امتاز به على بقية الكائنات المادية الحية، ومن هذا المنطلق لابد أن تكون نقطة البدء في محتواها الداخلي ذات علاقة بهذا الجانب الروحي والمعني لـه.
وهذا الاتجاه هو الذي يتبناه القرآن الكريم، ويمكن أن نطلق على تفسيره نظرية (المثل الأعلى).

أولاً: نظريات العامل الواحد (1).

ويحسن في البداية أن نشير أولاً إلى نظريات العامل الواحد، كأحد المصاديق المهمة للاتجاه الأول، ثم نذكر نظرية المثل الإسلامية.
ترى هذه النظريات إن المؤثر هو العوامل المادية المحيطة بالإنسان، ولكنها تحاول أن ترجع العوالم المادية جميعاً في بناء المحتوى الداخلي لـه ، وأما باقي العوامل فإنها مؤثرات ثانوية تتبع هذا العامل الرئيس في وجودها وتطورها.

ومن أهم هذه النظريات:

أ ـ النظريات الماركسية:

والتي تقول: بإن المحتوى الداخلي للإنسان يتأثر بالعامل الاقتصادي وتطوره والذي ينتج بدوره الصراع الطبقي بين الجماعات الإنسانية، حيث تفترض هذه النظرية أن المجتمع الإنساني بسبب العامل الاقتصادي ووسائل الإنتاج يتحول إلى مجموعة من الطبقات التي تتصارع فيما بينها، ومن خلال هذا الصراع الطبقي تتكون العلاقات الاجتماعية، وعندما تتغير وسائل الإنتاج في المجتمع الإنساني ينعكس ذلك على هذا الصراع الطبقي الذي ينعكس بدوره على المحتوى الداخلي للإنسان، ومن خلال انعكاسه تبدأ حركة الإنسان، ومن ثم حركة التاريخ الإنساني.

ب ـ نظرية فرويد:

والتي تقول: بإن المحتوى الداخلي للإنسان يتأثر بالغريزة الجنسية التي أودعت في داخل الإنسان باعتبارها التعبير المادي عن عامل بقاء الإنسان واستمراره ووجود العلاقات الإنسانية في المجتمع الإنساني، وهي بذلك تصبح نقطة البداية في بناء المحتوى الداخلي والوضع الروحي والنفسي للإنسان؛ وبالتالي، فكل بناء اجتماعي وحركة اجتماعية للإنسان ترتبط بهذه الغريزة وتداعياتها، وكأنه يقول بذلك، لأن وجود الإنسان وتوالده على الأرض وعلاقاته فيها تتأثر بهذه الغريزة.

ج ـ النظرية العرقية:

وترى هذه النظرية: أن المحتوى الداخلي للإنسان يتأثر بعامل الدم والعنصر والقوم وهذا العامل يمثل حقيقة مادية في شخصية الإنسان ويتأثر بها في سلوكه، فإذا كان الإنسان من عنصر نظيف وصاف ولم يتأثر بدماء أخرى، فإنه يكون على مستوى نفسي وروحي يختلف عن المستوى النفسي والروحي للإنسان الآخر الذي اختلط دمه بدماء أخرى، وبذلك تختلف طاقات الإبداع والبناء بينهم، فالجنس النقي هو القوي ومبعث كل مظاهر الحياة في المجتمعات الإنسانية، وليس التاريخ إلا سلسلة مترابطة من ظواهر الكفاح بين الأجناس التي تخوض معركة الحياة في سبيل البقاء، فيكتب النصر فيها للدم النقي القوي وتموت خلال ذلك الشعوب الأخرى وتنتهي.
وقد تبنى (النازيون) هذه النظرية خلال حكم (هتلر) وحاولوا تطبيقها على مجرى التاريخ.

د ـ نظرية العامل الجغرافي:

وتعتبر هذه النظرية العامل الجغرافي وظروف البيئة الكونية والجغرافية هو العامل المؤثر في بناء المحتوى الداخلي للإنسان، ومن ثم تعتبره العامل الأساس لتاريخ الأمم والشعوب، حيث يختلف تاريخ الناس باختلاف العوامل الجغرافية والطبيعية التي تحيط بهم، لأنها هي التي توفر لهم أسباب المدنية وتفجر في عقولهم الأفكار البناءة، فيتقدمون ركب البشرية أو تمنع عنهم كل ذلك، فيتخلفون.

ثانياً: نظرية المثل الأعلى القرآنية

وترى هذه النظرية أن المحتوى الداخلي للإنسان ـ كما سبقت الإشارة إلى ذلك ـ يتأثر بالصورة الذهنية التي يكونها الإنسان في فكرة وذهنه للمستقبل والتي يتخذها غاية وهدفاً ومثالاً أعلى لـه يتحرك نحوه بإرادته، ومن أجل الوصول إليه تكون إرادته إرادة للأعمال والنشاطات التي توصله إليه.
فالصورة الذهنية أو (المثل الأعلى) الذي يكونه الإنسان في ذهنه عن المستقبل هو نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للإنسان وللجماعة البشرية، فإذا كان هذا المثل مثلاً صالحاً ومطلقاً وغير محدود بحدود فإن المحتوى الداخلي للإنسان يتغير في صورة هذا المثل اللامحدود، وكذلك إذا كان هذا المثل مثلاً منخفضاً ومحدوداً وقاصراً فإن محتواه الداخلي يتغير على هذه الصورة أيضاً.
بهذا العرض يمكن أن نستنتج أحد الجوانب التي تختلف فيها النظرية القرآنية في حركة التاريخ عن النظريات المادية التي حاولت أن تربط حركة التاريخ بعامل آخر غير المحتوى الداخلي للإنسان.
ولكن مضافاً إلى ذلك سوف نجد جانباً آخر تختلف فيه النظرية القرآنية عن النظريات المادية حتى بعد أن وصلنا إلى هذه الحقيقة، وهو أن نقطة البداية في حركة التاريخ هو تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، وهذا جانب آخر يرتبط بشكل ومضمون التغيير في المحتوى الداخلي والذي يكون لـه علاقة ـ بطبيعة الحال ـ بأهدافه.
فإنه قد ذكرنا ـ سابقاً ـ أن الحركة التاريخية تتميز عن أي حركة أخرى في الكون بأنها حركة (غائية)، ولذلك فهي تتمايز بعضها عن بعض بمثلها العليا التي تعبر عن هذه الغاية والمستقبل، فلكل حركة تاريخية مثلها الأعلى.
وهذا المثل الأعلى، يتحدد من قبل كل جماعة بشرية على أساس وجهة نظرها العامة إلى الحياة والكون، ويتجسد خارجاً بإرادتها من خلال الطاقة الروحية التي تملكها بما يتناسب مع ذلك المثل الأعلى، ومع وجهة نظرها إلى الحياة والكون، وتكون إرادتها للسير نحو هذا المثل وفي طريقة.
هذا المثل الأعلى يتحدد من خلال رؤية فكرية، ويتجسد من خلال طاقة روحية تزحف بالإنسان في طريقة.
وهو في الوقت نفسه، الذي يحدد الغايات والأهداف التفصيلية لحركة الإنسان.
وهذه الأهداف والغايات هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى.

الإله والمثل الأعلى

ويطلق على المثل الأعلى في القرآن الكريم وفي التعبير الديني ـ في جملة من الحالات ـ اسم الإله، باعتبار أن المثل الأعلى هو الهدف والغاية ذات التأثير على حركة الإنسان، إذن، فهو القائد الآمر المطاع والموجِّه، وهو الذي يصنع نشاط الإنسان وحركاته ومسار التاريخ، ولذا نجد القرآن يعمم مصطلح الإله، فيطلقه على (الهوى) عندما يكون لـه هذا التأثير، قال تعالى: ?أرءيت من اتخذ إلهه هوه...? (2)، حيث عبر عن الهوى بأنه إله، حينما يتصاعد هذا الهوى تصاعداً مصطنعاً، فيصبح هو المثل الأعلى وهو الغاية القصوى لهذا الفرد أو ذاك (3).
وقد بينت قصة إبراهيم (عليه السلام) في القرآن الكريم، هذا التصور للمثل الأعلى بشكل واضح، حيث تذكر أن إبراهيم (عليه السلام) حينما كان يفتش عن هذا المثل والإله، وأراد الله تعالى لـه أن يصل إلى الحقيقة من خلال هذا البحث، أثار في ذهنه عدداً من الافتراضات لهذا المثل الأعلى، قال تعالى متحدثاً عن تلك الحالة النفسية التي كان يعيشها إبراهيم (عليه السلام)، أول الأمر: ?وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين _ فلما جن عليه الليل رءا كوكباً قال هذا ربى...?، فأول ما بدأ إبراهيم (عليه السلام) بالتفكير، بدأ يفكر بالإله بهذه الصورة الذهنية، فافترض أن هذا الكوكب هو (الإله)، لأنه شيء بعيد ومنيع وعال، ?...فلما أفل قال لا أحب الأفلين? (4)، لأن المثل الذي قد توصل إليه وكان يسعى (عليه السلام) إلى تشخيصه هو المثل المطلق، السامي، العالي، والممتد الذي لا يعتريه الأفوال أو النهاية.
ثم يستمر القرآن الكريم في وصف حالة إبراهيم (عليه السلام) بقوله تعالى: ?فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربى...? وذلك باعتبار أن القمر أكبر من الكوكب والنجم السابق، ولعل كبره هذا يعطيه القدرة على الامتداد والبقاء ?... فلما أفل قال لئن لم يهدني ربى لاكونن من القوم الضالين? (5).
وهكذا ?فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر...?، فقد تكون فعاليتها ونشاطها وقدرتها على البقاء أكبر من القمر لأنها أكبر منه، وحينئذٍ تستحق ـ فرضاً ـ أن تكون هي الرب من دونه ?... فلما افلت قال يا قوم إني برىء مما تشركون? (6).
وهكذا خلص القرآن الكريم إلى بيان أن كل المثل العليا المفترضة التي كانت مطروحة آنذاك بين الناس، كانت مثلاً باطلة ومزيفة ومعرضة للأفوال والزوال، ولذا لم يقبلها إبراهيم (عليه السلام) في هذا المشهد القرآني ـ آلهة لـه، لأنه (عليه السلام) كان يتطلع إلى مثال أعلى لـه امتداد وإطلاق ولا حدّ لـه في حركته ولا في وجوده، ومن هنا قال تعالى حاكياً عنه (عليه السلام) التوجه إلى هذا المثل الأعلى المطلق: ?إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين? (7).
ومن هنا ـ أيضاً ـ نجد أن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الله سبحانه وتعالى كمثل أعلى يذكره بالأسماء الحسنى بصورة إجمالية ?قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى...? (8)، أو يصفه بأوصاف الكمال المطلق فيقول: ?هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم _ هو الله الذي لا اله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون _ هو الله الخلق الباري المصور لـه الأسماء الحسنى يسبح لـه ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ?(9).
حيث يتحدث عن علمه وقدرته ورأفته ورحمته وباقي صفاته عز وجل، ويريد من ذلك كله أن يبين للإنسان مثله الأعلى الحقيقي والمطلق، ويحدد لـه معالم هذا المثل ـ أيضاً ـ لا أن يتركه يتخبط في تصوراته لـه، من أجل أن يتخذه إلهاً ومثلاً أعلى لـه، وليبني محتواه الداخلي ـ وبصورة واضحة ـ وفق هذا الاختيار، وليتحرك باتجاهه حركة واعية ومسؤولة، وليتحرك مجتمعه تبعاً لذلك أيضاً.

أقسام المثل الأعلى

وعندما نصل إلى هذه النقطة من البحث، لابد من التعرض لتوضيح هذا الموضوع وبيان أقسام المثل الأعلى المختلفة وتحديد معانيها وأثرها على حركة الإنسان، من أجل بيان هذه النظرية بصورة أكمل وأتم.
والظاهر من خلال البحث أن هناك ثلاثة أقسام للمثل الأعلى، وهي:

القسم الأول: المثل التكراري

وهو عبارة عن رؤية المستقبل من خلال الواقع الذي يعيشه المجتمع الإنساني، أي أن الوجود الذهني الذي يصوغ المستقبل هنا لا يستطيع أن يرتفع على واقعه الحاضر ولا يتجاوزه، بل ينتزع مثله الأعلى محاولة لتجميد هذا الواقع وحمله إلى المستقبل بدلاً من التطلع إلى مستقبل جديد، ويتحول هذا الواقع من حالة نسبية ترتبط بظروف الإنسان الفعلية لتغيره إلى أمر مطلق يعمل الإنسان على تجميده، فتكون حركة التاريخ حركة تكرارية، لأن المستقبل سوف يكون تكراراً للواقع والماضي.
ولذا عبرنا عن هذا (المثل) بأنه (مثل تكراري)، لأن رؤيته للمستقبل وحركته باتجاه هذه الرؤية هي تكرارية لحاضرة الذي يعيشه، وهذا الحاضر هو ـ أيضاً ـ تكرار لماضية ولأوضاعه السابقة التي كان يعيشها، فيكون هذا المثل الأعلى مثلاً تكرارياً حقيقة.
وقد شهد التاريخ الإنساني في مختلف أدواره وجود مثل هذا المثل التكراري في حياة الناس، حيث عاش الإنسان ولفترات عديدة هذا النوع من المثل في حياته الاجتماعية.

أسباب وجود المثل التكراري

وبالإمكان إرجاع السبب لوجود المثل التكراري في المجتمعات الإنسانية إلى أحد عاملين رئيسين، أحدهما داخلي والآخر خارجي، وهما:

الإلفة والعادة

أما الأول: فهو عامل الإلفة والعادة، ومرجع هذا العامل داخلي نفسي يرجع إلى الحالة النفسية والروحية الداخلية للإنسان التي تعبر عن ميل داخلي فيه للتمسك بالماضي والحاضر لمعرفته به في مقابل التغيير المجهول، وتؤدي الإلفة والعادة التي عاشها الإنسان في بعض أدوار حياته وركونه إلى الوضع الاجتماعي المعين إلى حصول حالة الخمول والضياع داخل مجتمعه، ويصبح مثل هذا إنساناً ضائعاً لا يهتدي طريقاً إلى الحق ولا يعرف سبيلاً إلى التطور والتكامل والرقي.
بل يصبح إنساناً يعيش ضمن الأطر والحدود الاجتماعية التي تعود عليها، فتحول (الوضع النسبي) الذي يعيشه والذي ينسب إلى حاضره وماضيه..، تحول إلى (وضع مطلق) وكأن هذا الشيء الذي اعتاده والذي يعيشه ويحياه هو كل شيء في حياته الماضية والمستقبلية، بل وفي حياته الإنسانية ومسيرتها كلها.
وقد بين القرآن الكريم هذه الظاهرة في كثير من الآيات التي تحدثت عن الأقوام الذين رفضوا دعوة الأنبياء (عليهم السلام)، عندما جاءوا لهم بمثل عليا حقيقية ترتفع عن الواقع وتريد أن تحركه وتنتزعه من حدوده النسبية إلى مستقبل أفضل أو تخرجه من حالة التردي والفساد إلى حالة الإصلاح والترقي، وإنّما رفضوا ذلك لإنها دعوة تخالف العادة والإلفة وما كانوا قد وجدوا آباءهم عليه لا لإيمانهم بهذا الواقع والاعتقاد بصلاحه، قال تعالى: ?بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مهتدون?(10)، فقضيتهم الأساسية ودليلهم الوحيد الذي قدموه قبال دعوة الأنبياء (عليهم السلام) هو: أنهم وجدوا آباءهم على هذه السنة والطريقة ليس إلا.
ومنها قوله تعالى: ?وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا أولو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون? (11)، حيث يستنكر القرآن الكريم على هؤلاء الأبناء أتباع آبائهم الذين يصفهم بأنهم لا يرون إلا ما هم عليه ولا يمتلكون القدرة على التفكير والرؤية الصحيحة للمستقبل، فتجمدوا في واقعهم، مع أنه واقع فاسد اتخذه الآباء بسبب خروجهم عن طريق العقل والهداية، فهم ?... لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون?، الحق ولا إلى الصراط المستقيم.
ثم بين القرآن الكريم، أن هذه الظاهرة والعامل النفسي كان يحكم الحالة العامة لكل المواجهات التي كان يواجهها الرسل (عليه السلام) من قبل المشركين والمنكرين لنبواتهم، قال تعالى: ?وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين?(12)، وقال تعالى: ?قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفرلكم من ذنوبكم ويؤخر كم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءابآؤنا فأتونا بسلطان مبين?(13).

تسلط الطاغوت

والعامل الآخر: هو تسلط الطاغوت وهو عامل اجتماعي خارجي أدى إلى ظهور المثل التكراري في مراحل متعددة من مراحل التاريخ البشري.
وذلك لأن الطاغوت ـ أحياناً ـ لا يرى المستقبل والحياة إلا من خلال نفسه ووجوده، أو أن أي تغيير في المستقبل والحياة قد يكون معناه الخروج على هيمنته وسلطته، لأن معنى التغيير هو إزاحة المعالم الموجودة الحاضرة والتي يشكل الطاغوت أبرز وأوضح مفرداتها.
ومن هنا يتمسك الطاغوت في كثير من الأحيان وبكل ما أوتي من قوة وسلطة من أجل إبقاء المجتمع بخصوصياته ومواصفاته الفعلية القائمة، وفي نفس الأطر والظروف والأوضاع الاجتماعية التي يعيشها الناس حتى يبقى مهيمناً عليه.
نعم قد نلاحظ في بعض الأحيان خروج الطاغوت عن العادة والإلفة، فيسعى لتغيير المجتمع الإنساني وصياغته بطريقته الخاصة، ولكن ذلك لا يخرج ـ على أي حال ـ عن هذه القاعدة، ما دام الطاغوت يمثل جزءاً مهماً من الواقع، ويحاول أن يصوغه على طبق مواصفاته الخاصة، فهو تكرار للواقع، ولكن من خلال هذا العنصر المتسلط.
وهكذا يعيش المجتمع نتيجة لذلك حالة التكرار التي تحدثنا عنها سابقاً، لأن مستقبله الذي تدخل الطاغوت في تحديده ما هو إلا نسخة من حاضره، كما كان حاضره ـ أيضاً ـ نسخة من تاريخه وماضيه.
ويشير القرآن الكريم إلى هذا العامل وتاثيره في بعده الإيجابي، عندما يرفض الإنسان هيمنة الطاغوت فيصل إلى المستقبل الأفضل، بقوله تعالى: ?والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشري فبشر عباد _ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هدا هم الله وأولئك هم أولوا الألباب?(14)، حيث ذكر سبحانه وتعالى صفة أساسية لمن يجتنب عبادة الطاغوت، وهي: استماعهم للقول واتباعهم لأحسنه، وهذا يعني بأنهم لم يجعلوا قيداً على أذهانهم وإرادتهم ولم يجعلوا لها إطاراً لا يمكنهم أن يتجاوزوه، بل جعلوا الحقيقة هدفهم ومدار همهم، فهم في حالة طموح وتطلع ونظرة موضوعية إلى الحياة، تسمح لهم بأن يجدوا الحقيقة من خلال استماعهم للقول واتباعهم لأحسنه.
وأما لو كانوا يعبدون الطاغوت فإنهم لن يكونوا إلا في إطار الواقع الذي يريده هذا الطاغوت ولن يستطيعوا أن يكونوا في موقع أن يستمعوا إلى القول فيتبعون أحسنه، بل أنهم سوف يعرضوا عن كل قول ويتبعون ما يراد لهم أن يتبعه الطاغوت فقط، حيث يخرجهم من النور إلى الظلمات.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة بصورة واضحة، حينما تحدث عن الظاهرة (الفرعونية) التي طرحها بشكل واسع وشامل.
ولعل المراد من ذلك ـ والله العالم ـ هو إبراز هذه الظاهرة وتعريفها كقضية رئيسية يواجهها المجتمع الإنساني في كل أدوار تاريخه الطويل، من أجل أن يحذر من الوقوع تحت تأثيرها أو الانسياق معها.
ففرعون هنا، وإن كان عنواناً للحاكم الذي عاصره موسى (عليه السلام) فهو إنسان معين واجه موسى (عليه السلام)، ولكن القرآن الكريم طرحه بهذه السعة، لبيان أن الظاهرة (الفرعونية)هي أبرز ظاهرة اجتماعية (طاغوتية) تحكم المجتمعات الإنسانية ، حتى يصل (فرعون) فيها إلى حد إدعاء الألوهية والربوبية، ويفرض نفسه المثل الأعلى للمجتمع الإنساني ويعلن عن ذلك بشكل واضح.
فهو الرب الذي تجب عبادته من دون الله ?فقال أنا ربكم الأعلى?(15)، وإنه لا يعلم للناس من إله غيره ولا وجود للإله الذي يدعيه موسى (عليه السلام)(الأنبياء):
?وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلى أطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه من الكذبين? (16).
وأن المجتمع لا يحق لـه أن يرى إلا ما يراه هو لـه دون غيره، وأنه هو الذي يهدي إلى سبيل الرشاد ?... قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ? (17)، إلى غير ذلك من المدعيات الباطلة والمزيفة.
وهكذا يحشد (فرعون) وباعتباره طاغوت عصره كل طاقاته، من أجل الهيمنة والسيطرة على مجتمعه، وبذلك الشكل المطلق من أجل أن يصوغه على طبق رؤيته للأشياء ويجمده في هذا الواقع الفاسد ويمنعه من الحركة نحو تطوره وتكامله، بل ويمنعه من التفكير في ذلك أيضاً، لكي يعيش حالة تكرار حاضره في مستقبله، كما عاش ماضيه في حاضره (18).
ولكن من الممكن أن نضيف ـ لما ذكره الشهيد الصدر ـ سبباً آخر للمثل التكراري، وهو سيطرة الشهوات المادية على إرادة الإنسان وحياته واستسلامه لها، والتي تعبر هذه الشهوات عن الرغبات والميول المودعة في نفس الإنسان، فيحاول أن يتمسك بها الإنسان في مستقبله، عندما لا يرى غير هذه الشهوات والغرائز أمامه.
وبذلك يصبح لهذه الشهوات الدور نفسه الذي تؤديه الإلفة والعادة داخلياً.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في موارد عديدة، عندما تحدث عن المقاومة للرسالات الإلهية التي كان يبذلها الكافرون في رفضهم لدعوات الأنبياء (عليهم السلام) بسبب المحافظة على هذه الحياة الدنيا وشهواتها ولذاتها، وتأكيد القرآن الكريم لدور الحياة الآخرة والتزهيد بالحياة الدنيا وقيمتها.
نعم إذا أرجعنا هذا السبب إلى النوع الثاني من المثل الأعلى ـ الذي سوف نشير إليه ـ وهو المثل المحدود، فلا يكون سبباً آخر.
ثم أن هذه الأسباب قد يكون لها تأثير في المثل التكراري بصورة مجتمعة، فيستغل الطاغوت الإلفة والعادة والشهوات والميول، لتحقيق هدفه من فرض الهيمنة والتسلط على الناس، ورسم مستقبلهم على أساس الحاضر، أو تكون العادة والإلفة سبباً لظهور حالة الطغيان والقبول بها والاستسلام لها، كواقع قائم في المجتمع الإنساني.

المثل التكراري سبب للتمزق

وينتج المثل التكراري، ومن خلال أحد العوامل أو جميعها التي تكون سبباً في وجوده، ظاهرة التفرق والتشتت والتمزق في حركة المجتمع الإنساني.
فلو أخذنا هذا المثل من خلال العامل الأول الذي يسببه ونعني به العادة والألفة، فسنجد أن جمود الإنسان على (مثله)، سوف يجعل من هذا (المثل) جزءاً من واقعه ولمدة طويلة، وسوف يفقد وبالتدريج قدرته على التحريك والتغيير والعطاء، بعد أن كان مغيراً للإنسان والمجتمع.
وعندما يفقد (المثل) قدرته على التحريك والتغيير بشكل كامل، فإن ولاء الأمة لـه كأمة سوف يهتز ويضعف تدريجياً وينتهي إلى نقطة الصفر، ومن ثم تفقد ولائها لهذا المثل بصورة كاملة، لأنها والته والتزمت به في البداية وجعلته أمامها في حركتها المستقبلية، إنّما فعلت ذلك باعتبار ما كان يعطيها أياه من طاقته ـ ذلك الوقت ـ في حركتها التغييرية وتطورها، وما أن يفقد هذا المثل القدرة على العطاء، فسوف يفقد العنصر الأساس في وجوده، ولا يكفي للعادة وحدها أن تبقي ولاء الأمة لـه، لأن حاجات الإنسان متغيرة ومتطور وتطلعاته نحو المستقبل، كذلك فتتحول العادة إلى مجرد عامل معيق لهذه الحركة والتطور، وبذلك تفقد الأمة ولاءها لـه.
ثم أن الأمة، إنّما تتوحد كأمة ويتفاهم أبناؤها ويتعاونون فيما بينهم بما يجمعهم من وضع اجتماعي ومن علاقات اجتماعية، إنّما يتم ذلك من خلال (مثلها الأعلى الواحد)، ومن خلال رؤيتها الواحدة لمستقبلها التي كانت تجمعها وتوحدها، فإذا فقدت ولاءها لذلك (المثل) وتلك (الرؤية)، فقد فقدت عامل وعنصر وحدتها وتحول اهتمام كل واحد منها في داخلها إلى أوضاعه وحياته الخاصة، وأصبح يعيش حالته وهمومه الشخصية: (كيف يصبح ؟ وكيف يمسي ؟ وكيف يأكل ويشرب. وكيف يوفر الراحة والاستقرار لـه ولأولاده ولعائلته ؟ وأي راحة وأي استقرار؟
الراحة بالمعنى الرخيص للراحة، والاستقرار بالمعنى القصير للاستقرار، يبقى كل إنسان سجين لحاجاته ورغباته الخاصة، يدور حولها ولا يرى غيرها، إذ لا يوجد لـه مثل بعد أن ضاع مثله وتفتت وسقط، وفي مثل هذه الحالة تتحول الأمة إلى شبح أمة ولا تبقى أمة حقيقية)(19).
وحينئذٍ، ينقسم ذلك المجتمع وتلك الأمة إلى أمم وجماعات، بل ويصبحون أفراداً متشتتين ومتفرقين متصارعين في مصالحهم الخاصة وأهدافهم المحدودة، لا محالة لتعدد مصالحهم وتضاربها وتضادها، مع فقدان من يجمعها ويحل تناقضها، وينطبق ذلك مع وصف القرآن الكريم لهذه الحالة، بقوله تعالى: ?... بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون?(20)، بأسهم بينهم شديد باعتبار وجود التناقضات بينهم، وإن كانوا في المظهر الخارجي يمثلون أمة واحدة فتحسبهم جميعاً، ولكن قلوبهم متفرقة، لأن مصالحهم وأرواحهم متبعثرة.
وأما لو أخذنا (المثل التكراري) من خلال العامل الآخر المسبب لـه، ونعني به: تسلط الطاغوت والفراعنة وسيطرتهم على المجتمع، فستجد أن الطاغوت يبدأ أول ما يبدأ من خلال كونه فرداً من أفراد الأمة يعيش همومها ومثلها، ثم يبدأ بفرض طغيانه عليها من خلال الاستغلال وبما يملك من قدرات وإمكانات، وبالتدريج حتى يتجاوز الحد المعقول في ارتباطه بالأمة، فلا يرى بعد ذلك أي امتياز للامة، إلا من خلال شخصه، ولا يرى لها أي رؤية إلا من رؤيته ?... قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد? (21)، وبذلك تفقد الأمة ولاءها لهذا الطاغوت أيضاً.
ومن الطبيعي عندئذٍ أن تـنفرز في الأمة جماعة ترفض سلوك الطاغوت ورؤيته المطلقة تلك، لتفتش عن مصالحها الخاصة، ويصبح الطاغوت يميز ـ أيضاً ـ بين جماعات الأمة بمقدار انسجامها مع رؤيته للأشياء وعدم انسجامها، ولتبدأ بهذا الرفض وعدم الانسجام، حركة الصراع والتمرد على الطاغوت داخل المجتمع، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى: ?إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين? (22)، فلأن هؤلاء الناس رفضوا فرعون ورفضوا أن يعيشوا وفق رؤيته الخاصة، وتمردوا عليه، عاقبهم بذبح الأبناء واستحياء النساء، مما أدى إلى ظهور الصراعات والتنازعات والاختلافات داخل المجتمع، الذي تحول نتيجة لذلك إلى فرق وجماعات متشتتة ومتناحرة ومتصارعة فيما بينها.
وفي قوله تعالى: ?ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الورثين? (23)، بيان لنتيجة هذا الصراع والاختلاف الذي وجد بسبب وجود هذا الطاغوت وتسلطه على مقدرات المجتمع، حيث سيكون الفوز والانتصار في نهاية المطاف من نصيب المستضعفين الذين سيجعلهم الله تعالى الأئمة الوارثين.
وكذلك إذا أخذنا المثل التكراري، من خلال العامل الثالث وهو الشهوات والمصالح الخاصة التي كانت توحد الأمة في بعض مراحلها، فإنها تتحول بالتدريج إلى عامل يفرق الأمة ويمزقها، لأن هذه الشهوات والمصالح متضاربة ومتضادة، كما شرحنا ذلك في بيان أسباب الاختلاف في الخروج من وحدة مجتمع الفطرة.
الإجراءات التاريخية التي تواجه مجتمع الاختلاف (24)
لقد علمنا التاريخ أن المجتمع الإنساني والأمة، إذ تعرضت إلى حالة التشتت والفرقة والتمزق، ستكون أمام ثلاث حالات، وبدائل، وإجراءات تاريخية، يمكن أن تواجهها في مثل ظروفها هذه:

تعرض الأمة للغزو الخارجي

الأول: هو أن تتداعى هذه الأمة وتنهار أمام تعرضها إلى الغزو والهيمنة الخارجية، فإن الأمة بعد أن تختلف فيما بينها ويتشتت أمرها بسبب فقدانها لمثلها الأعلى الذي كان يوحد صفوفها، تتحول إلى أفراد أو جماعات صغيرة كل منها يفكر في حاجاته الخاصة وهمومه المحدودة، وتكون بسبب بذلك أمة ضعيفة وممزقة، وتصبح محطاً لأنظار الغزاة الأجانب وللقوى الخارجية الطامعة التي سرعان ما تهاجمها، لتجعلها تحت هيمنتها وسيطرتها، من أجل أن تستغل خيراتها وتستثمر طاقاتها.
وقد شهد التاريخ الإنساني أمثلة كثيرة على هذه الحالة، ومن جملة ذلك ما عرفناه نحن في تاريخنا الإسلامي كشاهد على ذلك، في قضيتين رئيستيين، هما:
الأولى: سقوط الأمة الإسلامية على يد الغزاة التتر، خلال القرن (السابع) الهجري والقرن (الثالث عشر) الميلادي.
الثانية: هو الغزو الغربي للأمة الإسلامية، في أوائل القرن (العشرين) الميلادي والثلث الأول من القرن (الرابع عشر) الهجري.
وما سقطت الأمة الإسلامية ـ بصورة عامة ـ في هاتين الحالتين، إلا بعد أن أصبحت أمة ممزقة ومشتتة يحكمها الطغاة والمستبدون، أو ذوي الشهوات والمصالح الضيقة الخاصة، وتتعامل مع الإسلام كعادة وتقليد أخذوه عن آبائهم وأمهاتهم، ويتحكم فيها الظالمون والجائرون والنزعات القومية، أو الفردية وحب الدنيا، وأدت بها هذه الحالة إلى الفرقة والتمزق، فضعفت وأصبحت لقمة سائغة للغزاة الأجانب.
التقليد والتبعية للآخرين
الثاني: هو الذوبان والأنصار في مثل أعلى أجنبي عن تاريخها ووجودها مستورد من الخارج، فإن الأمة حين تفقد ولاءها للمثل الذي تبنته وتتشتت، قد تبدأ بالتفتيش مرة أخرى عن مثل أعلى آخر يوحدها.
وحينئذٍ قد تقع أثناء تفتيشها عن مثل (المثل الأعلى) في خطأ كبير، فتتبنى (مثلاًُ أعلى) لأمة أخرى أقوى منها، متوهمة بأن عظمة هذه الأمة وقدرتها إنّما هي بسبب ذلك المثل الأعلى، فتتبناه هي أيضاً ـ على أمل أن تستعيد قوتها وقدرتها ووحدتها وموقعها الذي تطمح إليه.
وقد تبنى بعض الأشخاص والجماعات في عالمنا الإسلامي هذا النوع من التصور، فدعوا إلى تبني المثل الأعلى الغربي المتمثل بفصل الدين عن السياسة والالتزام بمبدأ الحرية الشخصية والعصبية القومية والمصالح الخاصة الدنيوية والقوى المادية، باعتبار السبب وراء كل تلك الإمكانات والقدرات التي يتمتع بها الغربيون والتي قهروا بها الأمة الإسلامية وتغلبوا عليها وهزموها بها.
ومن هؤلاء (رضا خان بهلوي) في إيران الذي حاول تطبيق المثل الغربي (شكلياً) على أمتنا الإسلامية في إيران.
وهكذا (الكمالية) التي تمثلت في شخص (مصطفى كمال) في تركيا والذي تبنى المثل الغربي شكلياً في فصل الدين عن الحياة، إلى الحد الذي غير فيه الحرف العربي الذي كانت تكتب به ثقافة أمتنا الإسلامية في تركيا إلى الحرف اللاتيني، من أجل أن يقطع الأجيال التركية عن كل جذورها الإسلامية وثقافتها الرسالية وعن العالم الإسلامي، ويقربها إلى حركة الأمم الغربية، ولو من حيث الشكل والصورة.
وهكذا وجدنا كتاباً ومفكرين من هنا وهناك في عالمنا الإسلامي يدعون وبشكل واضح وصريح إلى تبني المثل الغربية، والى تحويل الأمة الإسلامية إلى أمة غربية، في كل تفاصيلها وخصوصياتها وشؤونها، كما في (سلامة موسى) المصري وأمثاله...

العودة إلى الحق

الثالث: أن تنشأ في أعماق الأمة بذور العودة إلى المثل الأعلى المطلق الحق من جديد، لوكن بمستوى العصر الذي تعيشه الأمة.
حيث تبدأ الأمة بالتحرك من جديد وتبرز فيها بذور نهضة حقيقية، من أجل العودة إلى مثلها الأعلى المطلق المتمثل بالله سبحانه وتعالى، والذي سنتحدث عنه في القسم الثالث من أقسام المثل الأعلى، إن شاء الله تعالى.
وقد وقفت أمتنا الإسلامية ـ في عصر الاستعمار ـ على مفترق طريقين:
أحدهما: هو تبني منهج التبعية والأنصار بالمثل الغربي، والذي زادها بعد ذلك تمزقاً وتشتتاً وضعفاً.
والآخر: هو تبني منهج العودة إلى الإسلام الحقيقي، وتقديمه إلى الأمة الإسلامية بلغة العصر، وهذا ما تبناه رواد النهضة الإسلامية في نهايات فترة الضعف وبداية عصر الاستعمار (25).
ولكن يمكن أن نضيف إلى ما ذكره الشهيد الصدر من الإجراءات التاريخية الثلاثة، إجراءاً رابعاً تتخذه الأمة عند تعرضها إلى التمزق والتشتت، وهو اتخاذها للمثل الأعلى المحدود والذي تستنبطه الأمة من تجاربها وواقعها، ويمثل خطوة إلى الأمام في مسيرتها، ويعبر عن بعد من الابتكار والإبداع في حركتها، كما حدث ذلك في أروبا في النهضة الصناعية والثورة السياسية، وفي
أمريكا في الحروب الداخلية والتحول من عصر الاستعمار والاستعباد، إلى الديمقراطية والليبرالية.. أو ما حدث في الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية.
وهذا ما أشار إليه الشهيد الصدر قدس سره وشرحه في حديثه الآتي عن المثل المحدود، ولعله إنما لم يشر لهذا الإجراء الرابع لأنه أكتفى عنه بالحديث عن المثل الأعلى المحدود.

القسم الثاني: المثل الأعلى المحدود

وهو المثل الذي تتخذه الجماعة الإنسانية حين تعيش تصوراً لمستقبلها، يمثل خطوة أخرى إلى الأمام في حركتها مشتقة من طموحها نحو الإبداع والتجديد والارتفاع بالأمة من واقعها الفاسد.
وهذا الطموح للإبداع، وإن كان يمثل خطوة صحيحة وفيه جانب موضوعي، غير أن هذه الخطوة تكون خطوة محدودة منتزعة عن جزء من طريقها المستقبلي الطويل، وإن هذا الطموح الذي انتزعت منه الأمة مثلها مهما كان طموحاً واسعاً، ولكنه يبقى طموحاً محدوداً ـ أيضاً ـ لأنه نابع من نفس الإنسان ذاته، الذي مهما أوتي من قدرة على التصور والإبداع والرؤية للمستقبل، فلابد أن تكون رؤيته تلك محدودة بحدود وجوده وتصوراته وواقعه، ولا يمكنه أن يتجاوز هذا الواقع بأي حال من الأحوال.
وقد يقال: بإن الله سبحانه وتعالى قد أعطى للإنسان موهبة وقدرة عظيمة على التركيب بين الصورة الواقعية والخروج بصورة جديدة أفضل من خلال ذلك، وبالتالي بإمكانه أن يركب صورة لمستقبله الأفضل تتقدم على واقعه الفعلي من خلال هذا التركيب.
كما أن الإنسان بفطرته يدرك وجود الله تعالى، وهو المثل الأعلى، فلماذا لا يكون قادراً على تصور هذا المثل الأعلى الكامل.
الجواب: إن هذه الصورة التي يتصورها الإنسان من خلال عملية التركيب هذه، وإن كانت أفضل من الواقع وتتجاوزه نحو الأمام، ولكنها مع ذلك كله ما هي إلا نتيجة إدراكاته ورؤيته المادية للأشياء المحدودة سواء في رؤيته لها أو للمستقبل، وهذا لن يبدل من الحقيقة شيئاً، في أن الرؤية لن تكون إلا رؤية محدودة لمحدوديته من جهة، ولمحدود المادة التي انتزعت منها هذه الصورة من جهة أخرى، ويبقى الفاصل بينه وبين الكمال فاصل كبير.
كما أن إدراك الإنسان لوجود الله تعالى لا يجعله قادراً على معرفة الطريق الموصل إلى الله تعالى، إلا من خلال الهداية الإلهية، فتبقى هذه الرؤية محدودة عندما تكون ذاتية، ولا سيما مع ما أودع الله تعالى في الإنسان من حب الشهوات والهوى وما جعل في طريقه من زيغ الشيطان وإضلاله للإنسان، فهو يحتاج إلى الهداية الربانية في كل الأحوال.
ولذلك فإن الإنسان وحينما يتحرك باتجاه هذا (المثل الأعلى)، قد يكون عمل شيئاً صحيحا في تحركه هذا، لأنه تحرك نحو الأفضل الصحيح ـ مثلاً ـ الذي تصوره في هذه الخطوة، ولكنه في ذلك يكون قد واجه إمكانات خطر كبير ـ أيضاً ـ بعد أن لم يكن قادراً على استيعاب الصحيح المطلق والكمال الأمثل لوجوده، وهذا الخطر الكبير هو أن يحول هذا القدر المحدود من الصحيح الذي تصوره للمستقبل، إلى مثل أعلى مطلق يعممه إلى المستقبل ويعبده من دون الله، وعندئذٍ فيمكن لهذا الصحيح المحدود أن يخدمه في المرحلة الأولى للمستقبل، لأنه صحيح محدود، ولكنه سوف يصبح قيداً لحركته فيما بعد، بسبب هذا التعميم، فيجمد على هذا المثل بعد أن تحرك في أول الأمر لتطوير المستقبل، وبذلك يرتد المثل الأعلى المحدود إلى مثل تكراري مرة أخرى، وبذلك يمكن أن نعرف أنه من ناحية تاريخية وفي حركة التاريخ أن المثل الأعلى (المحدود) يمثل الأصل والجذر للمثل (التكراري ) عادة (26).

ما هو الخطأ في تبني المثل المحدود؟

ويمكن أن نوضح معالم هذا الخطأ في بعدين أساسيين، ومن خلال مثالين واقعيين شهدتهما حركة التاريخ الإنساني.

خطأ التعميم الأفقي

البعد الأول: إن الإنسان قد يرى شيئاً صحيحاً أثناء حركته ورؤيته للمستقبل، فيسعى لتحقيقه.
ولكنه قد يعمم هذا الشيء الصحيح على كل الأشياء، بحيث يفترضه مثلاً لكل شيء صحيح في هذا الوجود، مع أنه شيء صحيح في مصداق واحد، وحينئذٍ، فإنه يقع في خطأ كبير لتحويله المحدود إلى مطلق أفقياً.
وهذا ما حصل في أورپا أثناء الثورة الصناعية فيها، فغن المجتمع الأوربي كان مقيداً ـ آنذاك ـ بقيدين رئيسيين:
أحدهما: قيد الكنيسة الذي كان يقيد عقائد الإنسان وفكره، إذ كانت الكنيسة ومن خلال التزاماتها وبعض مدعياتها الباطلة ترفض كل عقيدة تخالف تلك المدعيات والالتزامات، بل وترفض كل فكرة علمية أيضاً ـ فيما لو خالفت هذه المدعيات.
ومن أجل فرض هذه القيود الفكرية على المجتمع أنشأت الكنيسة محاكم التفتيش، والتي تذكر بعض الأرقام التاريخية بإن أكثر من ثلاثين ألف عالم قد قتلوا، وإن أكثر من مائة ألف آخرين قد تعرضوا للتعذيب في تلك الحقبة، بسبب تبنيهم لأفكار علمية أو عقائدية تتنافى والتزامات الكنيسة آنذاك (27).
وثانيهما: الإقطاع الذي كان يمثل الطغيان الاجتماعي والذي فرض القيود على الأوضاع السياسية والاقتصادية في المجتمع، وصادر كل الطاقات والإمكانات.
وعلى هذا فقد رأى المجتمع الأوربي أن مستقبله في (الحرية) والتخلص من هذه القيود، بحيث يكسر قيود (الكنيسة) في الجانب الفكري والعلمي، وقيود (الإقطاع) في الجانب السياسي والاقتصادي، من أجل أن يتحرك ويتطور ويتقدم باتجاه الأمام، وهذا شيء صحيح في هذا الجانب الموضوعي.
إلا أن الأمر الذي أخطأ فيه الإنسان الأوربي هو تصميمه لكفرة الحرية، واعتبارها أمراً مطلقاً ولك شيء في حياته ومجتمعه وأصبحت هي المثل الأعلى والهدف لـه، مع أن الحرية عبارة عن (كسر القيود)، وكسر القيود لا يمثل صورة المجتمع المطلوب، بل يمثل عملية فتح الطريق أمام حركته، فالحرية مجرد وسيلة على افضل تقدير للوصول إلى صورة المجتمع الإنساني الصالح، وأما محتوى هذه الحرية وشكل هذه الحركة الاجتماعية وأهدافها ومضمونها وصورتها المستقبلية وغير ذلك من الأمور، فلا تتضمنها فكرة (الحرية)، كما هو واضح.
كما أن الحرية إذا جردت عن محتواهاً، فسوف تؤدي إلى الويل والدمار، وهو ما تواجهه الحضارة الغربية اليوم، التي صنعت للبشرية ـ من خلال هذه الحرية ـ كل وسائل الدمار والآلام، لان الإطار والحرية بقيت بلا مضمون (28).

خطأ التعميم العمودي

البعد الثاني: وقد يتحرك الإنسان خطوة محدودة من خلال المثل المحدود الذي يتخذه، وتكون هذه الخطوة فكرة صحيحة في حركته في ذلك الزمان، غيرأن تحويل هذه الفكرة إلى فكرة عامة لكل الأزمنة، يجعلها فكرة خاطئة لا محالة.
فعلى سبيل المثل، بدأ الإنسان حركته من (أسرة صغيرة)، من آدم (عليه السلام) وحواء، ثم من أسر صغيرة بعدهما.
إن فكرة الأسرة هذه كإطار للمجتمع الإنساني فكرة صحيحة في زمانها، وقد تحولت وتطورت في رؤية مستقبلية لحركة الإنسان، إلى فكرة العشيرة والقبيلة التي تجعل الجماعة والأسر المتعددة، ترتبط فيما بينها برابطة واحدة، يقوم على أساسها البناء الاجتماعي.
وهذه الفكرة، (فكرة العشيرة)، فكرة صحيحة في ذلك الزمان ـ أيضاً ـ لأنها توحد تلك المجموعات الأسرية الصغيرة، ضمن إطار واحد لتشكل منها مجتمعاً (واحداً) بعد ذلك.
ثم إن هذه الفكرة تطورت فيما بعد إلى فكرة القوم والجماعة التي تضم القبائل والعشائر المتعددة التي تتوحد بميزات عديدة، من جملتها ـ مثلاً ـ اللغة الواحدة.
وهذه الفكرة الأخيرة، قد تكون صحيحة أيضاً، وفي مقطع زمني معين، لأنها ـ وعلى كل حال ـ توحد هذه الجماعات الإنسانية المتعددة في صيغة واحدة، وهي صيغة القوام الواحد والجماعة والأمة الواحدة.
ومن هنا، فإننا لو أردنا أن نعمم أي فكرة من تلك الأفكار المحدودة، ولنفترضها فكرة العشيرة مثلاً، والتي كانت صحيحة في زمان معين، بحيث نجعلها مطلقة، من خلال افتراض أن حركة الإنسان في عمود الزمان المستقبلي كلها تقوم على هذه الفكرة، فإن هذه الكفرة تصبح فكرة خاطئة، لأن هذا التعميم الزماني الذي جعل من المحدود زمانياً أمراً مطلقاً في عمود الزمان، تعميم خاطيء.
وهكذا فكرة (القوم)، وإن افترضنا صحتها في زمان ما، إلا أن تعميمها إلى كل الأزمنة ـ كما هو مطروح في عصرنا الحاضر ت بحيث نجعل حياة الإنسان مقسمة على أساس اللغات والأقوام وعنصر الدم وما أشبه ذلك، وعلى مدى التاريخ، هذا التعميم يجعل منها فكرة خاطئة وغير صحيحة.
ولذلك وجد الإنسان نفسه في كثير من الأدوار، ومنها هذا العصر، تجاه هذه الأفكار مقيداً ومحدوداً في حركته، الأمر الذي جعله يبدأ برفض هذه الأفكار ـ بعد طول المعاناة ـ والتوجه إلى الوحدة الإنسانية العامة.
فخطأ التعميم الزماني ـ إذن ـ خطأ آخر، يقع فيه ـ عادة ـ من يتخذ من المثل المحدود مثلاً أعلى لـه.
إذن، لابد للإنسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل أن يعرف بأن لـه أفق تاريخي محدود بحكم قصور ومحدودية ذهنه البشري، وعليه أن يتعامل مع هذا الأفق، كأفق محدود ليس إلا، وأنلا يحوله إلى مثل أعلى لـه، وإلاّ كان حاله حال من ينظر إلى الأفق الجغرافي فلا تساعده عينه إلا على النظر إلى مسافة محدودة، فيتخيل لـه بأن الدنيا تنتهي عند الأفق الذي يراه، وإن السماء تنطبق على الأرض على مسافة قريبة، أو يكون حاله من قبيل من يطلب الماء فيسير نحو السراب عندما يحسبه ماء، كما أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة، في قوله تعالى: ? والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوقّاه حسابه والله سريع الحساب? (29).
ومن أجل ذلك عبر القرآن الكريم عن هذه المثل المصطنعة المحدود التي يتخذها الإنسان إلهاً لـه من دون الله سبحانه، بإنها في الوهن والضعف كبيت العنكبوت الذي لا يصمد أمام حركة التاريخ، كما في قوله تعالى: ?مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون? (30).
وقد يقال هنا، أن الإنسان يتمكن من خلال التجربة الإنسانية الاجتماعية أن يتوصل دائماً إلى أخطائه في المثل المحدود، فينتقل مرة أخرى خطوة إلى الأمام في مثل محدود آخر، حتى ينتهي به الحال إلى الكمال المنشود، ولكن بصورة تدريجية، كما هو الحال في التجارب الطبيعة التي تتكامل فيها معرفة الإنسان.
ولكن هذا الكلام يشتمل على الكثير من الخطا، فإن التجارب الإنسانية في المجتمع تختلف عن التجارب الإنسانية في الطبيعة، لأن التجارب الإنسانية في الطبيعة يتخذ منها الإنسان ـ عادة ـ موقفاً موضوعياً غير متحيز، فيصل إلى التكامل فيها، وأما التجارب الإنسانية في المجتمع، فهي مضافاً إلى أنها تجارب مدمرة للمجتمع الإنساني، لأنها لا تكون محصورة في داخل المختبر وقد تبقى آثارها وتفاعلاتها خارج السيطرة ومجرى التجربة، لا يكون الإنسان تجاهها ـ عادة ـ موضوعياً ، لوجود المؤثرات الداخلية والخارجية فيها كالعادة والشهوات والطغاة وغيرها من العوامل التي أشرنا إليها في حديثنا عن دور الاختلاف في مجتمع الفطرة (31).

العلاقة بين المثل التكراري والمحدود

يعتبر (المثل التكراري) في حقيقته ـ في كثير من الأحيان ـ مرحلة وخطوة أخرى، بل نتيجة (المثل المحدود)، لأنه ـ أي المثل التكراري ـ يبدأ بمثل وطموح محدود يتحرك فيه الإنسان نحو صورة مستقلة، ولكن حينما يتحقق هذا الطموح إلى المستقبل، وتصل البشرية إلى النقطة التي أثارت هذا الطموح، يتحول هذا المثل وهذه الصورة إلى وقاع محدود، وحينئذٍ، يبدأ دور المثل التكراري.
وبعبارة أخرى، إننا لو رجعنا إلى الوراء بالنسبة إلى آلهة النوع الأول لوجدنا آلهة النوع الثاني، فالمسألة تبدأ وفي كثير من الأحيان، بمثل أعلى وآله، لـه طموح مشتق من طموح مستقبلي، ثم يتحول هذا المثل الأعلى وهذا الإله إلى مثل وغله تكراري.
ثم ما يلبث هذا المثل التكراري أن يتمزق وتتحول الأمة نتيجة لذلك إلى أمة ممزقة أيضاً، تخضع لأحد الإجراءات التاريخية السابقة، ويمكن أن يكون المثل المحدود أحد هذه الإجراءات التاريخية، فتبدأ دورة جديدة (32).

پاورقيها:

1 ـ للمزيد من الإطلاع يراجع اقتصادنا 1: 41.
3 ـ التفسير الموضوعي : 146 ـ 147 ، الدرس التاسع ، بتصرف.
2 ـ الفرقان : 43.
4 ـ(3) الأنعام : 75 ـ 78.
7 ـ الأنعام : 79.
8 ـ الإسراء : 110.
9 ـ الحشر : 22 ـ 24.
10 ـ الزخرف : 22.
11 ـ البقرة : 170.
12 ـ الشعراء : 5.
13 ـ إبراهيم : 10.
14 ـ الزمر : 17 ـ 18.
15 ـ النازعات : 24.
16 ـ القصص : 38.
17 ـ غافر : 29.
18 ـ التفسير الموضوعي : 148 ـ 150 ، الدرس التاسع ، بتصرف .
19 ـ المدرسة القرآنية : 161 ، الدرس العاشر.
20 ـ الحشر : 14 .
21 ـ غافر : 29.
22 ـ و(3) القصص : 4 ـ 5.
24 ـ المدرسة القرآنية : 161 ، الدرس العاشر.
25 ـ المدرسة القرآنية : 162 ، الدرس العاشر .
26 ـ المدرسة القرآنية : 164 ـ 166 ، الدرس العاشر .
27 ـ وهذا إما أنه يمثل نوعاً من الطغيان الديني ، أو نوعاً من العادة والألفة .
28 ـ المدرسة القرآنية : 168 ، الدرس العاشر.
29 ـ النور ك 39.
30 ـ العنكبوت : 41 ، المدرسة القرآنية : 171 ، الدرس العاشر.
31 ـ راجع اقتصادنا 1 : 317 ـ 329 ، لتوضيح الفرق بين التجربة الطبيعية ، والتجربة (المصالح) الاجتماعية.
32 ـ المدرسة القرآنية : 172 ، الدرس العاشر.